جلال الدين السيوطي
52
معترك الاقران في اعجاز القرآن
( ثمّ ) حرف يقتضى ثلاثة أمور : التشريك في الحكم والترتيب والمهلة ، وفي كل خلاف : أما التشريك فزعم الكوفيّون والأخفش أنه قد يتخلّف بأن تقع زائدة ، فلا تكون عاطفة البتّة ، وخرّجوا على ذلك قراءة « 1 » : « حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ » . وأجيب بأن الجواب فيها مقدّر . وأما الترتيب والمهلة فخالف قوم في اقتضائها إياهما تمسّكا بقوله « 2 » : « خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها ثم . بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ » . « 3 » « وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى » . والاهتداء سابق على ذلك . « ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ » « 4 » . وأجيب عن الكلّ بأن ثم فيها لترتيب الأخبار لا لترتيب الحكم . قال ابن هشام « 5 » : وغير هذا الجواب أنفع منه ، لأنه يصحح الترتيب فقط لا المهلة ، إذ لا تراخى بين إخبارهن « 6 » . والجواب المصحح لهما ما قيل في الأولى إن العطف على مقدّر ، أي من نفس واحدة أنشأها ، ثم جعل منها زوجها . وفي الثانية إن سوّاه عطف على الجملة الأولى لا الثانية . وفي الثالثة إن المراد ثم دام على الهداية .
--> ( 1 ) التوبة : 19 ( 2 ) السجدة : 8 ( 3 ) طه : 82 ( 4 ) الأنعام : 153 ، 154 ( 5 ) المغنى : 1 - 105 ( 6 ) في المغنى : بين الإخبارين .